.
‏إظهار الرسائل ذات التسميات السنة الثانية باك. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات السنة الثانية باك. إظهار كافة الرسائل
السبت، 29 أغسطس 2015

خطوات كتابة مشروع تربوي :

خطوات كتابة مشروع تربوي :
يُجمع الكثيرون على أن التحدي الحقيقي الذي يُواجه المؤسسات الاجتماعية هو التفاعل مع متطلبات العصر الحالي بكل التحولات التي يحملها معه والذي تمخّض عن تغيّرات هائلة في جميع الأصعدة وشهد طفرة هائلة في ثورة المعلوماتية والتكنولوجيا وأنظمة الاتصالات, مما أسفر عن تأثيرات واضحة في المجالات المختلفة.
وتأتي المؤسسات التربوية والتعليمية في مقدمة منظومات المجتمع التي يتوجب أن تتعاطى في نظمها وأنماطها المتعددة مع معطيات هذا العصر الذي لا يعترف بالسكون، وبشكل أصبح معه من الضروري الوقوف أمام طرق العملية التدريسية وأساليبها وأنماط قيادتها, وفك تشابكاتها ، وإخضاعها لمنظور التغيير والتجدد .
ويشير البحث التربوي المعاصر إلى ضرورة أن يصبح الطلاب والدارسون في المؤسسات التربوية والأكاديمية أكثر فاعلية في العملية التعليمية ذاتها وذلك باعتماد الآليات الحديثة والأساليب المستجدة في هذا العصر المعرفي الذي لا بد أن نواجهه
بنوعية جديدة من التعليم وبأساليب تدريسية تتسم بالمرونة والجودة والإبداع .

فـلسفة المشروع :
تطبيق النظريات الحديثة في تطوير الاستراتيجيات التدريسية كمدخل علاجي وتعزيزي مساعد في البرامج التعليميّـة ، وتوظيف الإمكانات المتاحة في المدرسة لتحقيق مخرجات تـربويّـة مرغوب فيها ، وفق خطوات إجرائية شاملة ، تواكب المستجدات، وتشخّـص الواقع الميداني ، وتستشرف الحلول ، وتنقل الخبرات ، وتحدد الاحتياجات ، وتضع الخطط اللازمة لإحداث نقلة نـوعـيّـة في عمليتي التعلّم والتعليم.

مشروع الفصل التكاملي التعزيزي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ


"
نحـو عمليّـــة تـعـلّـم وتـعـليـــم أفضل"

الهدف العام للمشروع:ـ
يهدف مشروع (الفصل التكاملي التعزيزي) إلى تحسين عمليتي التعليم والتعلّـم الداخليّـة ( داخل المدرسـة )، وإحداث نقلة نوعيّـة في المعترك الميداني ، من خلال رفد البيئـة المدرسيّـة بالمستجدات ، وتبادل الخبرات ، ومواكبة المستجدات ، بما ينمّي الحراك للتفاعل مع المشاريع التطويريّـة ، ويوظّـف معطيات العصر لتـحقّيـق مخرجات تربويّـة متوخّـاة .
الأهـداف التفصيليّـة:ـ
1
ـ توظيف تقنيات التعليم ووسائله اللازمة لإنجاح العملية التعليمية في ضوء ثورة التقنية الحديثة وتفعيلها ميدانيا وفق ملاءمتها لأهداف المنهج المدرسي .
2
ـ تلمس احتياجات الطلاب ومدى تقدمهم ونموهم من الناحية العلمية والتربوية والنفسية ، وتشخيص الواقع الميداني وتحديد الاحتياجات الفعلية في بيئة العمل وإيجاد الحلول اللازمـة.
3
ـ حصر الطلاب الذين يعانون من مشكلات تعليمية معينة ووضع الخطط اللازمة لمعالجتها وتحديد طرق التدريس اللازمة لهم والتحقق من كفايتها ، وتحديد الفروق الفردية بينهم.
4
ـ خلق جو من الإبداع والابتكار لكافة عناصر المجتمع المدرسي في إطار من العمل الجماعي المثـمـر.
5
ـ الاستفادة من خبرات المتميزين من المعلمين والطلاب ورعاية الابتكارات والإبداعات الخاصة داخل المدرسة ورعايتها.
6
ـ تنمية روح التعاون والعمل الجماعي المنظم ، وتقوية العلاقات الاجتماعية بين جميع العاملين في بيئة العمل .
7
ـ نشر ثقافة البحث وتنمية الاطلاع بين أفراد المجتمع المدرسي وشحذ الهمم وخلق أجواء من الحيوية والتجديد المهني في بيئة العمل.
8
ـ بناء ثقافة تطويرية في البيئة المدرسية وفق معايير مدروسة تحقق مفاهيم الجودة الشاملة وتسير بأداء تكاملي يلامس مبادئ وأسس مدرسة المستقبل.
9
ـ تكوين فريق عمل مترابط يعمل على تحقيق الأهداف التربوية المحددة ، ويشارك في اتخاذ القرارات المدرسية وحل المشكلات .
10
ـ تطبيق آليات الجودة التربوية قدر الإمكان وخاصة ما يتعلق بميكنة تنفيذ الخطوات الإجرائية في أجندة المشروع وتكوين فرق عمل متعاونة وفق مفهوم تكاملية الأداء .
أنشـطة الـمشروع :
تم التخطيط للمشروع وتصميمه بحيث يحقق الأهداف التي أنشئ من أجلها ، والتي تستهدف في مجملها العناصر المتعددة داخل بيئة التعلم ( المدرسـة ) .وتتضمن أجندة المشروع وضع خطـط علاجية أو تعزيزية متكاملة ذات منهجية واضحة تأخذ في الاعتبار كافة المكونات في البرنامج الموجّـه ، عبر حصر وتحديد الشرائح الطلابية المستهدفة بالمدخل التعليمي وإشراك معلمي المواد المختلفـة ، وتدارس النظريات التربوية الحديثة من خلال ورش العمل وحلقات النقاش والآليات الأخرى ، وتوفير الأجهزة والتقنيات والوسائل المساعدة في تطبيق البرنامج، والتنسيق مع مركز مصادر التعلّم والأقسام المختلفة ، وذلك بغرض تفعيل النشاط التدريسي المنفّـذ، إلى جانب إخضاع ناتج البرنامج التدريبي إلى عمليات التقييم والمراجعة وقياس التغذية الراجعة. ومن الأنشطة التي ينفذها المشروع البرامج التالية :
أ ـ البرامج التدريسيـة (العلاجية والتعزيزية) ، ومـنهـا :
م اسم البرنامج المجال المادة الدراسية الشريحة المستهدفة
1
معالجة الضعف لدى الطلاب الذين يعانون من الديسلكسيا
(
صعوبة القراءة ) اللغة العربيـة القراءة العربية الطلاب معسري القراءة
من كافة الفصول
2
التحضير لحقيبة حصـة دراسية بطريقة
(
التعلم التعاوني) الاجتماعيات الجغرافـيا طلاب الصف الأول المتوسط
3
التجهيز لحصة دراسية من خلال استراتيجية
(
العصف الذهني) التربية الإسلامية الـفـقـه طلاب الصف الثالث المتوسط
4
الإعداد لتنفيذ حصة دراسية من خلال طريقة
(
التعليم عبر الترفيه ـ الألعاب التربوية ) الصفوف الأولية العلوم طلاب الصف الأول الإبتدائي
5
الإعداد لتنفيذ حصة دراسية من خلال طريقـة
(
مسرحـة الـنص ) اللغة العربيـة التعـبير طلاب الصف السادس الإبتدائي
6
الإعداد لتنفيذ حصة دراسية من خلال أسـلوب
(
تمثيل الأدوار) اللغة الإنجليزية الإنجليزي طلاب الصف الثالث المتوسط
7
الإعداد لتنفيذ حصة دراسية من خلال أسـلوب ( حل المشكلات ) الرياضيات الرياضيات طلاب الصف الرابع الإبتدائي
8
الإعداد لتنفيذ حصة دراسية من خلال أسـلوب ( دراسة الـحالة) العلوم الطبيعية الـعلـوم طلاب الصف الثاني المتوسط
9
زيادة الاستجابة والمهارات التفاعليـة من خلال برامج الحاسب الآلي . التربية الخاصة التربيةالفكـرية طلاب التربية الفكـرية



مشروع الفصل التكاملي التعزيزي 5
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ب ـ البرامج التطويرية المصاحبة ، ومـنهـا :
البرنامج آليّـة الـتـنـفـيـذ الـمحـاور
تنمية مهارتي التفكير الإبداعي والناقـد في أنشطة المقرر حلقـة نـقـاش 1ـ مفهوم مهارات التفكير.
2
ـ التفكير الإبـداعي.
3
ـ التفكير الناقـد .
4
ـ دمج المهارتين في إجراءات التدريس.
5
ـ الخلاصة والنتائج.
التدريس بطريقة(التعلم التعاوني) ورشـة عـمـل 1ـ مفهوم التعلـم التعاوني.
2
ـ عناصر التعلم التعاوني.
3
ـ أهمـية التعلم التعاوني.
4
ـ طريقة تنظيم المجموعات.
5
ـ الخلاصة والنتائج.
علاج ضعف بعض التلاميذ في حل المسائل اللفظية بمادة الرياضيات عـصف ذهـني 1ـ تحـديد المـشكلة.
2
ـ تنظيم المجموعات.
3
ـ صياغة الفـروض.
4
ـ استمطار الأفـكار.
5
ـ التقييم والتلخيـص.
استخدام الكاميرا الوثائقية لعلاج الضعف الإملائي لدى بعض الطلاب ورشــة عـمل 1ـ تحـديد المشكلـة .
2
ـ أسباب المشكلـة .
3
ـ مزايا استخدام الجهاز لعلاج المشكلة.
4
ـ النتائج والتوصيات .
تصميم شرائح عرض لمحتوى تعليمي ببرنامج البوربوينت
لقـاء تـدريبـي توظيف البرنامج في عرض محتوى المقرر المدرسي .
معايير وأسـس الإدارة الصفـية الـفـاعـلة نـدوة تربويّـة 1ـ مفهوم الإدارة الصفية الفاعلة.
2
ـ عناصرالإدارة الصفية الفاعلة.
3
ـ ضوابط الإدارة الصفية الفاعلة.
4
ـ دور المعلم في غرفة الفصـل.
مزايا وعيوب الطريقة الاستنتاجية والاستقرائية في النشاط الصفي ورشــة عـمل
1
ـ الطريقة الاستنتاجية.
2
ـ الطريقة الاستقرائية.
3
ـ مزايا وعيوب الطريقتين.
4
ـ التوظيف السليم حسب الموقف.
5
ـ الخلاصة والتوصيات .

مشروع الفصل التكاملي التعزيزي 6 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ج ـ الـنـشـرات الإرشـاديّـة وإصـدارات المشروع :
يضطلع مشروع الفصل التكاملي التعزيزي أيضا بمهام نشر المعرفة وزيادة حصيلة الثقافة الخاصة بحقل العمل بما في ذلك مواكبة الأبحاث التربوية والتعليمية ، وكذلك صقل وتطوير المهارات الميدانية في البيئة المدرسيّـة ، وذلك من خلال المطويات والقراءات والنشرات الإرشاديّة وأدلّـة العمـل والملصقات الحائطية وغيرهـا .
ومـمّـا أصـدره المشروع مـايلـي:ـ
الرقم عـنوان النشـرة ملاحظات
1
الـجودة الـشـاملة في غرفة الصف
2
الترابط في النص وأثره في القضاء على صعوبة "فهم المقروء"
3
آلــيّــات في الــتدريس الـفـعـّــال
4
أســس مــدرسـة الـمسـتــقـبـل
5
نظرية ploome في صياغة الهدف السلوكي

6
فـنّ الـتعـامل مع الـطـلاب
7
صعوبات التعلّم وبطء التعلّم والتأخر الدراسي .. الأعراض والحلول
8
طريقة تمثيل الأدوار Role .playing method
9
مقترحات علاجيّـة للضعف القرائي والكتابي
10
اتجاهات حديثة في الـتدريـس
11
التعليم العملي والتعليم التفاعلي
12
نظرية النمو العقلي لـ"جان بياجيه" وتطبيقاتها التربويّـة

13
استخدام الأنترنت في الموقف التعليمي
14
أدوار الحاسب في الفصل المدرسـي
15
أساليب ومصطلحات تربويّـة
مــخرجــات الـمــشــروع:ـ
لقد أفرزت نواتج تفعيل المشروع منذ إطلاقه في العام الدراسي الحالي عن عدد من المخرجات الإيجابية ومنها : التفاعل البنيوي ، وإثراء المشهد الميداني ، وتبادل التجارب، والخبرات الذاتية وتطبيقاتها في الميدان ، والتعاطي مع الأساليب الفعّالة ، وربط التعلّم بالقنوات المعرفيّة ، وتحسّن عمليّة التحصيل لدى الطالب وتفاعله مع النشاط الموجّـه ، وتصميم مواقف تعليميّة داخليّة فاعلـة وفـق خصائص ومستويات الطلاب والدارسين في كل صفّ على حدة ، وبما يلبّي الفروق والاحتياجات العلاجيّة والتعزيزية لكل شريحة من الدارسين حسب مستوياتهم والفروق الفرديّة بينهم .
الخميس، 3 أكتوبر 2013

تحليل نص جورج غوسدورف قيمة الشخص

تحليل نص جورج غوسدورف قيمة الشخص

6- نص جورج غوسدورف، الكتاب المدرسي: في رحاب الفلسفة 
 -تأطير النص: النص مقتطف من كتاب "مقالة في الوجود الأخلاقي" (1949) لجورج غوسدورف، وفي هذا النص يسير غوسدورف على خلاف الفلسفات السابقة التي تناولت الشخص من منظور نظري وميتافيزيقي، فهو يؤكد في هذا الكتاب أن قيمة الشخص لا تتحدد في المجال الوجودي الفردي، ولكن في إطار أشكال التضامن بين الناس.
 3-صاحب النص: جورج غوسدروف فيلسوف فرنسي ولد عام 1912 ومات سنة 2000، درس الفلسفة بجامعة ستراسبورغ، من مؤلفاته المعروفة "اكتشاف الذات"، "رسالة في الوجود الأخلاقي"، "مدخل إلى العلوم الإنسانية". وجه غوسدورف نقدا إلى الفلاسفة العقلانيين الذين يفككون الشخص ويرسمون للإنسان صورة مجردة لا يمكن للناس العاديين أن يتعرفوا فيها على أنفسهم، داعيا إلى إحياء الأساطير لأنها تنطق بمادة الواقع الإنساني وتحتوي على القيم في حالتها البدائية، إن الإنسان في نظره لا يواجه مشكلات منطقة مجردة بل مواقف درامية لا بد لها أن يتحمل فيها مسؤولية حريته الخاصة في مواجهة أخطار الوجود كافة، ولكي يتعرف الإنسان ذاته لابد من الإستعانة شعار "كن من أنت"، وترك الشعار الاتباعي "اعرف نفسك بنفسك". 
 4-الإشكـال: أين تكمن قيمة الشخص، هل في وجوده الفردي أم في انخراطه داخل أشكال التضامن بين الناس؟ 5-المفــاهيم: §الاستكفاء: هو قدرة الفرد على العيش ماديا وأخلاقيا بمعزل عن الآخرين، بمعنى أنه يكون قادرا على تحقيق حاجياته في استقلالية عن الآخرين، وهو ما يختلف عن طابع الإنسان باعتباره كائنا مدنيا واجتماعيا بطبعه. §الغيـر: هو مقابل الأنا، وهو الآخر الذي تعيش الأنا في علاقات معه، وتكون علاقة الأنا بالغير مبنية على الصداقة أو على الغرابة... وقد يكون الغير فردا أو جماعة أو ثقافة. §التضامن: ظاهرة اجتماعية، تنعكس في كون الأفراد يترابطون فيما بينهم في شكل بنية تضامنية، وقد يكون تضامنا آليا كما في المجتمعات البدائية، وقد يكون تضامن عضويا في المجتمعات التي تعرف كثافة سكانية كبيرة (كما يرى إميل دوركايم). 
 6-الأطــــروحة : يرى غوسدورف بأن معرفة الذات لا تتحقق بمجرد النظر إلى أنفسنا والتأمل فيها، إنها لا تتحقق، إلا بواسطة العالم وفي العالم، وهنا نتكلم عن الإنسان كشخص يكتمل مع الآخر ويكتسب قيمته داخل الجماعة.
 7-الأفكار الأساسية: ×عرفت البشرية عبر تاريخها أشكال تضامن بسيطة وأساسية سمحت لها بالبقاء. ×إن الكمال الشخصي لا يكمن في مجال الوجود الفردي ولكن في مجال التعايش داخل المجموعة البشرية. ×الشخص الأخلاقي هو الذي يدرك أنه لا يوجد إلا بالمشاركة مع الآخرين. ×الشخص الأخلاقي هو الذي يقبل الوجود النسبي ويتخلى نهائيا عن الاستكفاء الوهمي. 
 8-الحجــــــاج: النفي: لا ينبغي أن ننسى، أن الغنى لا يوجد في التحيز... أمثلة: التضامن، الاستكفاء، الاستقلال... التقابل: يقبل... ويتخلى... 
 9-الاستنتـاج:الكمال الشخصي لا يتحدد في مجال الوجود الفردي المستقل، بل يتحقق في مجال التعايش وداخل المجموعة البشرية وانفتاح الذات الفردية على الكون وتقبل الآخر
. 10-قيمة النص وراهنيته: تكمن قيمة النص في التأكيد على ضرورة اندماج الفرد داخل الحياة الاجتماعية وأن يكون فاعلا داخل هذه الجماعة ومتعايشا مع الآخر في إطار التكامل الإنساني، وهذه القيمة مهمة في واقعنا الحاضر خاصة وأن حالة من العنف والفوضى تطبع كثيرا من العلاقات بين الأفراد والمجتمعات.
-استغــــلال معطيــــات النـــص للإجــابة علـــى إشكال النص. على ضوء معطيات النص يمكن حل الأشكال بالتأكيد على أهمية التشبع بالنحن بدل الأنا، فنقبل الحياة الاجتماعية ونتخلى عن النزعات الفردانية.

مفهوم الغير


مـدخـــــل: يحيل لفظا الآخر و الغير،في اللغة العربية،على معنى الإختلاف و التمايز أو المغايرة،سواء كان المقصود بذلك الإنسان أو الأشياء..أما في اللغة الفرنسية فنجد تمييزا أكثر دقة بين لفظ الآخر( Autre ) الذي يستخدم للدلالة على الإختلاف بين الأشياء أو الناس، و بين لفظ الغير (Autrui) الذي تقتصر دلالته على الآخر البشري.... وعلى مستوى التحديد الفلسفي، نجد في معجــم "لالانــد" : "الآخــــر هو أحد المفاهيــم الأساسيـــة والأولى للفــــكر، ومـــن ثم يستحيل تعريفه. يتقابل مع الهو هو( le même )، ويعبر عنـــــــه بالمتنوع ( le divers ) والمختــــــــــلف (le différent) والمتميز (le distinct)"... ومعنى ذلك أن "الآخر" هو مفهوم بسيط أولي ، يتأسس عليه التفكير ولا يمكن تعريفه إلا من خلال مرادفاته أو مقابلاته ... أما مفهوم "الغير" فيتخذ - في دلالته الفلسفية - معنيين متقابلين، بحيث يتحدد - عند "لالاند" - في "الأنا الآخر" (Alterego ) مما يجعله متطابقا أو متماهيا مع الأنا ، ويأخذ عند "سارتر" معنى "الأنا الذي ليس أنا" ، وهو ما يفترض الإختلاف والتعارض مع الأنا.. فمفهوم الغير يتأسس على المفارقة التي تجعل منه ،في نفس الوقت، مطابقا للأنا (أنا آخر مثلي ) ومخالفا لها (أنا ليس أنا)، الشيء الذي سينعكس في القضايا والأطروحات التي ارتبطت بهذا المفهوم في الفكر الفلسفي الحديث والمعاصر بالخصوص، وأهم هذه الإشكالات : 1- وجـــــود الغيـــــر : هل من ضرورة لوجود الغير بالنسبة للأنا ؟ وهل يتمكن الأنا من الوعي بذاته في استغناء تام عن الغير، أم أن الغير يعد شرطا لازما لتحقيق هذا الوعي ؟ 2- معرفـــة الغيــــــر : هل يمكن تحقيق معرفة حول الغير في ظل المفارقة التي يبدو معها شبيها بالأنا ومخالفا لها ؟ 3- العلاقـة مع الغيــر : كيف تتحقق العلاقة الأخلاقية مع الغير؟ هل بوصفه نظيرا للأنا يستوجب المودة والتعاون ؟ أم باعتباره غريبا يجب نبذه ؟ وهل الإقصاء هو الموقف الوحيد الممكن تجاه الغير الغريب ؟ قضــــايا وأطـروحــــــات : المحور الأول : وجـــــــود الغيـــــــر تعتبر إشكالية الغير حديثة العهد في الفكر الفلسفي الغربي ، حيث لم تظهر معالمها الأولى إلا مع الفلسفة الديكارتية (ق17) ، قبل أن تتبلور بشكل واضح مع " هيجل" (ق19).. أما الفكر اليوناني السابق ، فقد ظل منشغلا بالبحث في الوجود بشكل عام (الأنطولوجيا) من خلال النظر إلى الموجودات - بما فيها الإنسان - اعتمادا على مفهومي الهو هو (le même) والآخر (l’autre)، وذلك للدلالة على ماهية الموجودات من خلال مبدأ أو معيار التطابق و الاختلاف الذي يفيد أن الشيء يبقى "هو هو" إذا كان مطابقا لذاته ، وعبارة عن "آخر" في علاقته بالأشياء الأخرى التي تختلف عنه...وعموما ، عرف عن الفلسفة اليونانية عدم إنتاج تصورات تخص مفهوم الغير نظرا لهيمنة البحث الأنطولوجي في ماهية الموجودات عامة من الناحية الفكرية، ونظرا لهيمنة نزعة الإقصاء والتدمير في ثقافة المجتمع اليوناني العبودي القديم ، سواء تجاه الغير الداخلي (العبيد) أو الغير الأجنبي ( الشعوب الأجنبية التي كان يطلق عليها اليونانيون صفة المتوحشين.. "les barbares" ). 1- الفلسفة الحديثة : + ديكـــارت : في الفلسفة الحديثة ستظهر الإرهاصات الأولى لفكرة الغير في التصور الديكارتي القائم على اعتبار أن ماهية الإنسان تتمثل في "الذات المفكرة" أو ما يعبر عنه ب"الكوجيطو" (Le Cogito) . فقد كانت النتيجة الأساسية للشك المنهجي عند "ديكارت" هي التأكيد على أن التفكير هو جوهر الذات الإنسانية، لكونه يمثل الحقيقة اليقينية التي تفرض نفسها على العقل دون حاجة إلى الإستدلال. فوجود الأنا ووعيه بذاته يمثل يقينا لا يقبل الشك، أما وجود الغير فلا يعدو أن يكون وجودا جائزا محتملا أو افتراضيا يحتاج إلى استدلال العقل وحكمه، وهو ما يعني أن وعي الأنا بذاته لا يمر بالضرورة عبر الآخر أو لا يشترط وجود الغير. وهذا ما يشير إليه قول "ديكارت" التالي : " أنظر من النافذة فأشاهد بالمصادفة رجالا يسيرون في الشارع، فلا يفوتني أن أقول عند رؤيتهم أني أرى رجالا بعينهم، مع أني لا أرى من النافذة غير قبعات ومعاطف قد تكون غطاء لآلات صناعية تحركها لوالب، لكني أحكم بأنهم ناس..إذن فأنا أدرك بمحض ما في ذهني من قوة الحكم ما كنت أحسب أني أراه بعيني "... وهكذا يلاحظ أن النتيجة المنطقية لهذا التصور هي القول بوحدانية الذات (Le Solipsisme)، لأن كل ما أكون متيقنا منه هو أنني أنا وحدي موجود، أما وجود الغير فهو مجرد وجود افتراضي قابل للشك أو محتمل وجائز فقط ، بحيث يتوقف على إثبات العقل وليس وجودا بديهيا وضروريا كما هو الأمر بالنسبة للأنا. + هـيجــــل :(1770/1831) مع "هيجل" نجد تجاوزا صريحا للنزعة الذاتية التي تأسست عليها فلسفة "ديكارت"، والتي تتمثل في اعتبار أن الأنا يحقق وعيه بذاته في استقلال أنطولوجي مطلق عن العالم والآخرين . ف "هيجل" يؤكد على ضرورة وجود الغير في تشكيل الوعي بالذات، وذلك لأن الإنسان لا يكتمل وعيه بذاته إلا عبر الإعتراف به من طرف الغير . فكل ذات ترغب في الإعتراف بها من طرف الآخرين، ولا قيمة لوعي ذاتي منعزل لا يحظى بالرضى أو القبول من طرف الغير.. وما دامت غاية الحصول على الإعتراف تميز الأنا و الغير معا، فإن نتيجة ذلك هي دخول الطرفين (أو الوعيين) في صراع لا ينتهي إلا باستسلام أحدهما لتنشأ بينهما علاقة السيد بالعبد أو التابع. وبذلك يقر "هيجل" بأن الوعي بالذات لا يتحقق بشكل معزول عن الغير، بل يتوقف على اعتراف يكون ثمنه صراع يفضي إلى السيادة و التبعية بين الذوات. وعموما يتضح، في سياق الفلسفة الحديثة،أن الغير لا يعد شرطا ضروريا للوعي بالذات ما دام وجوده لا يبلغ درجة البداهة مقارنة مع وجود الأنا من منظور الفلسفة الذاتية (ديكارت)، ويصبح شرطا لازما لوعي الأنا بذاته عبر الدخول معه في صراع للحصول على الإعتراف من منظور الفلسفة الجدلية (هيجل). 2- الفلسفة المعاصرة : بالإنتقال إلى الفكر الفلسفي المعاصر، نجد حضورا أو استمرارا لمشكلة وجود الغير كما يتجسد ذلك عند ممثلي الفلسفة الفينومنولوجية التي عرفت بدفاعها عن الهوية الذاتية للفرد أمام كل أشكال التبعية التي يمكن أن تخضع لها. وهذا ما نلمسه عند "هايدغر"(1889/1976) في تأكيده على أن الغير يمثل تهديدا للأنا، وذلك لكونه يفقده مقوماته الخاصة و يجعله خاضعا لسلطة و هيمنة الآخرين كما يبدو ذلك واضحا في ما يسميه "هايدغر" بدكتاتورية ضمير ال "هم" (on ). ومعنى ذلك أن دخول الأنا في نسق العلاقات الإجتماعية يشكل سببا في ذوبان الهوية الشخصية للفرد وضياع وجوده الفعلي أو العيني الذي يسميه "هايدغر" ب"الدازاين" (Dasein )، ويقصد به وجود الذات في فرديتها .. كما نجد موقفا مشابها في سياق الفلسفة الوجودية . فبناءا على المبدأ الذي يتمسك به الوجوديون في تصورهم لماهية الإنسان، والمتمثل في القول بأسبقية وجود الإنسان على ماهيته مع تركيزهم على دور الحرية والإرادة الفردية في بناء هذه الماهية، سيضفي هذا الموقف طابعا فرديا و متغيرا باستمرار على حقيقة الإنسان، بحيث تكون النتيجة المنطقية لذلك هي استحالة وضع تحديد أو تعريف نهائي لماهية الإنسان التي تظل على الدوام عبارة عن "مشروع" غير مكتمل يعبرعن طبيعة الإنسان ككائن متوجه نحو المستقبل بفعل اختياراته التي تنبثق من إرادته الحرة… وبناءا على ذلك، سيمثل الغير بالنسبة للوجوديين مشكلة فعلية لأنه بمثابة عامل يحد من حرية الأنا.. وهو ما يعبر عنه "سارتر" حين يِؤكد أن وجود الغير يمثل مشكلة بالنسبة للأنا نظرا لميل كل طرف إلى تشييء الطرف الآخر من خلال النظرة ( Le regard ) التي تفقد الذات كل مقومات الوعي و الإرادة و الحرية كما يشير إلى ذلك قوله المشهور : "الجحيم هم الآخرون ". غير أن الغير يظل، مع ذلك، شرطا ضروريا لتحقيق الأنا وعيها بذاتها، وذلك لأن أحكام الغير و مواقفه تفرض نفسها على الذات أو الأنا. فالغير، رغم كونه عاملا سالبا لحرية الذات ، يظل شرطا لازما لحصول وعي الأنا بذاته. هكذا يتأكد، من منظور بعض الفلسفات المعاصرة ،أن وجود الغير قد يمثل تهديدا للأنا عندما ينصهر هذا الأخير في العلاقات الإجتماعية التي تسلبه وجوده العيني و الفردي (هايدغر)، و قد يشكل وجود الغير شرطا لا مفر منه لوعي الأنا بذاته بالرغم من العلاقة التشييئية التي تحكم علاقة الأنا بالغير(سارتر). المحور الثاني : معرفـــة الغيـــــــر تمتد إشكالية الغير إلى المجال المعرفي، حيث تطرح إمكانية أو استحالة قيام معرفة يقينية حول الغير. وقد أنتجت الفلسفة المعاصرة تصورات متباينة في هذا المجال، يقر بعضها بصعوبة أو استحالة قيام علاقة معرفية تسمح بالتواصل مع الغير، بينما يبحث بعضها عن تأكيد إمكانية معرفة الغير بغاية تحقيق التواصل معه... 1 - استحالـــة المعرفـــة : + جان بول سارتر :(1905/1980) الغير كموضوع (أو كشيء) تأخذ العلاقة المعرفية بين الأنا والغير طابعا تشييئيا كما يبدو ذلك في "النظرة" التي ينتج عنها تجميد لعفوية الذات وتلقائيتها. فالأنا تنظر إلى الغير كشيء خارجي، فتنزع عنه بذلك كل معاني الذات لتحوله إلى شيء أو موضوع فاقد لمقومات الوعي والحرية..ومعنى ذلك أنه بمجرد دخول الأنا والغير في علاقة معرفية يتحول كل منهما إلى موضوع بالنسبة للآخر، وهو ما يخلق هوة عميقة يستحيل معها إدراك العالم الباطني للغير، لأن ما يتبقى منه لا يشكل سوى "شيئا" يتم إدراكه بكيفية موضوعية خارجية مثل بقية الأشياء. وإذا كانت نظرة الآخر تحد من حريتي وتفقد كينونتي ما يميزها من صفات الذات، فإنه سيمثل جحيما لا يطاق كما تدل على ذلك عبارة "سارتر" المشار إليها سابقا. + غاستون بيرجي :(1896/1960) الغير كتجربة معزولة نجد موقفا مشابها عند "غ / بيرجي" يقوم على اعتبار أن كل ذات تمثل تجربة معزولة وغير قابلة للإدراك من طرف الآخرين. فكل فرد يعيش داخل عالمه الخاص الذي لا يمكن للغير ولوجه والإطلاع على حقيقته ، كما أن الفرد لا يستطيع أن ينقل إلى الآخرين تجربته أو يخبرهم عنها مهما حاول ذلك (تجربة الفرح مثلا) . ومن جهة أخرى، يستحيل على الأنا أن يدرك ما يختزنه العالم الباطني للآخرين، أو يعرف تجاربهم الخاصة، رغم ما قد يبديه تجاههم من تعاطف أو مشاركة وجدانية (تجربة الألم مثلا).. وهكذا، فالتجربة الذاتية ، والتي تشكل الوجود الحقيقي لكل فرد ، تظل مستعصية عن المعرفة ما دام كل واحد سجين عالمه الخاص مثلما يعبر عن ذلك "غ/بيرجي" في قوله : " هكذا هو الإنسان ، سجين في آلامه، ومنعزل في لذاته، ووحيد في موته...محكوم عليه بأن لا يشبع أبدا رغبته في التواصل، والتي لن يتخلى عنها أبدا " . 2 إمكانيــة المعرفـــــة : في مقابل هذه التصورات التي تنفي إمكانية حصول معرفة بحقيقة الغير، تبنت بعض الفلسفات المعاصرة (الفينومنولوجيا / Phénoménologie La ) موقفا يطمح إلى تجاوز الصعوبات التي تكتنف معرفة الغير، ومن بين ممثلي هذه الفلسفة : + موريس ميرلو- بونتي :(1908/1961) الغير كذات يرفض العلاقة التشييئية أو الجحيمية التي ينطوي عليها موقف "سارتر"، مؤكدا على ضرورة تجاوزها نحو علاقة إنسانية بين الأنا والغير، تقوم على الإعتراف المتبادل بكل منهما كذات واعية حرة تتطابق مع الطرف الآخر ولا تتناقض معه، الشيء الذي سيسمح بنشوء علاقة التعاطف والمشاركة الوجدانية بينهما..ويعبر"ميرلو- بونتي" عن ذلك في قوله : "والواقع أن نظرة الغير لا تحولني إلى موضوع، كما لا تحوله نظرتي إلى موضوع، إلا إذا انسحب كل منا وقبع داخل طبيعته المفكرة، وجعلنا نظرة بعضنا إلى بعض لا إنسانية، وإلا إذا شعر كل منا بأن أفعاله بدلا من أن تتقبل وتفهم، تخضع للملاحظة مثل أفعال حشرة". وبناء على هذا الإعتراف المتبادل، يصبح الغير قابلا للإدراك من خلال الإستدلال بالمماثلة كأسلوب يقتضي أن يقيس الإنسان أفعال الغير على أفعاله هو لكي يدرك دلالتها ومعناها الباطني أو النفسي (Raisonnement par analogie ) كما يؤكد "م بونتي" في قوله : "إني أرى الآخرين من حولي يستخدمون الأدوات بكيفية معينة، فأماثل بين سلوكاتهم وسلوكاتي، وأقارن بين تجاربهم وتجربتي التي تعلمني معنى الأفعال التي أدركها والقصد منها.."؛ أو عن طريق المشاركة الوجدانية التي تقوم على التعاطف مع الغير ومشاركته مشاعره بوصفه أنا آخر مثلي يمكنني إدراك عالمه الباطني.. وهكذا، بدل النظر إلى الغير كشيء أو كموضوع، يقوم هذا الموقف على الإعتراف بالغير بوصفه "ذاتا" مطابقة للأنا، يمكن إدراك معاني أفعالها وطبيعة مشاعرها باعتبارها مطابقة لدلالة أفعال الأنا ومشاعرها. + ماكـس شـيلـر :(1874/1928) الغير ككلية يقوم موقفه على محاولة تجاوز الثنائية التي يتم على أساسها التمييز في الإنسان بين جسم ونفس، أو بين ظاهر مادي يمكن إدراكه وباطن خفي متعذر المنال. فحقيقة الغير عند "م/ شيلر" تمثل كلا واحدا لا انقسام فيه، بحيث تكون التعبيرات الجسدية الخارجية دالة على المعاني النفسية الباطنية دون تمييز تعسفي بين الجانبين . وبذلك يتم إدراك الغير إدراكا كليا يجمع بين المعطى الجسدي الخارجي وبين ما يشير إليه من أحاسيس ومشاعر أو من معاني باطنية نفسية. ويقول عن ذلك : "إن أول ما ندركه من الناس الذين نعيش وإياهم، ليس هو أجسادهم ولا أفكارهم ونفوسهم، بل إن أول ما ندركه منهم هو مجموعات لا تنقسم ولا تتجزأ "...فالنظر إلى الغير كوحدة أو كلية لا تقبل الإنقسام يسمح بمعرفة حقيقته كما تتجلى للأنا، حيث تحمل التعبيرات الجسدية الخارجية المعاني النفسية الباطنية المقصودة من طرف الغير، خصوصا وأن الأنا والغير تجمعهما تجربة إنسانية مشتركة تؤدي إلى توحيد المعاني والقيم التي يضفيانها على الأشياء. هكذا يتبين أن الفلسفة المعاصرة قد احتضنت مواقف متنوعة تتراوح بين اعتبار معرفة الغير معضلة لا حل لها ما دامت تشييئية جحيمية (سارتر)، أو ما دام كل واحد يمثل تجربة ذاتية متفردة ومعزولة (بيرجي)، وبين تأكيد إمكانية معرفة الغير من خلال النظر إليه كذات لا كموضوع (ميرلو- بونتي)، أو عبر اعتباره كلية موحدة (شيلر)..وإذا كان هذا الإختلاف النظري يرجع إلى تباين المنطلقات المعتمدة من طرف كل تصور (فلسفة وجودية أو فينومنولوجية..)، فهو اختلاف يجد تفسيره - أيضا - في الطبيعة المعقدة لمفهوم الغير والتي تجعل منه نقيضا مخالفا ومثيلا مشابها للأنا في ذات الوقت. المحور الثالث : العلاقة مع الغير (الصداقة والغرابة) لا تقف العلاقة بين الأنا والغير عند المستويين - الأنطولوجي والمعرفي - السابقين ، بل تتخذ شكل علاقة مركبة تشمل ما هو عاطفي وجداني وما هو أخلاقي وسياسي.. وبصدد العلاقة الأخلاقية، يلاحظ أنها تختلف باختلاف الأغيار أو باختلاف المعايير المعتمدة في تصنيف الغير ، حيث أنه عادة ما يتم التمييز - في هذا السياق - بين الغير القريب الذي نرتبط معه في علاقات تقوم على التعاون والتضامن (الصداقة)؛ وبين الغير البعيد الذي يمثله "الغريب"، والذي غالبا ما يكون موضوعا للكره والعداوة (الغرابة).. - فكيف تتحدد الصداقة كعلاقة مع الغير القريب بوصفه مماثلا للأنا؟ وهل تنحصر الصداقة في هذه الصورة أم يمكن أن تتجاوزها نحو الغير الغريب باعتباره مخالفا للذات الفردية (الأنا) أو للذات الجماعية (النحن)؟ - وإذا كان الغير الغريب غالبا ما يواجه بالإقصاء بدعوى تهديده لوحدة الأنا أو النحن، فهل تمثل هذه العلاقة العدائية الشكل الوحيد والممكن تجاه الغريب؟ 1- الصداقة: تمثل الصداقة نموذجا إيجابيا للعلاقة مع الغير، وذلك باعتبارها تجربة تكتمل فيها إنسانية الإنسان كما يدل على ذلك المعنى اللغوي للفظ الصداقة الذي يتوجه نحو معاني الحب و المودة و الرغبة.. ومن أهم التنظيرات الفلسفية التي تم إنتاجها حول مفهوم الصداقة ما يرجع إلى الفلسفة اليونانية : + أفلاطـون : تنبثق علاقة الصداقة حسب أفلاطون من الحالة الوجودية التي تميز وجود الإنسان، وهي حالة وسط بين الكمال المطلق و النقص المطلق تدفع الإنسان إلى البحث الدائم عما يكمله في علاقته مع الآخرين. فالكمال الأقصى أو المطلق يجعل الإنسان في حالة اكتفاء ذاتي لا يحتاج فيها إلى الغير، وفي حالة النقص المطلق تنعدم لديه الرغبة في طلب الكمال.. فلكي تكون هناك صداقة لابد أن تكون الذات في حالة نقص نسبي يجعلها تسعى إلى تحقيق الكمال مع من هو أفضل.. و من هنا تكون الصداقة عبارة عن علاقة محبة متبادلة يبحث فيها الأنا عما يكمله في الغير، لأن كل طرف يتصف بقدر كاف من الكمال لا يحول دون طلب كمال أفضل، وبقدر من النقص الذي يدفع بالضرورة إلى طلب الكمال. + أرسطو: يميز بين ثلاثة أنواع من الصداقة تختلف من حيث طبيعتها و قيمتها، فالنموذجان الأولان (صداقة المنفعة والمتعة) متغيران نسبيان يوجدان بوجود المنفعة و المتعة و يزولان بزوالهما، و من ثم فهما لا يستحقان إسم الصداقة إلا مجازا.. أما النمط الثالث (صداقة الفضيلة) فيمثل الصداقة الحقة لأنه يقوم على حب الخير و الجمال لذاته أولا ثم للأصدقاء ثانيا. وفي إطار صداقة الفضيلة تتحقق المنفعة والمتعة كنتيجتين و ليس كغايتين. غير أن أرسطو يعترف بصعوبة تحقيق صداقة الفضيلة التي تعتبر بالنتيجة نادرة الوجود، و لو تحققت لما احتاج الناس إلى العدالة والقوانين. هكذا قدمت الفلسفة اليونانية تصورين مختلفين حول الصداقة غايتهما دفع الأنا و الغير نحو تحقيق الفضيلة كهدف أسمى للحياة البشرية. وفي ذلك تعبير عن فهم فلاسفة اليونان لطبيعة الإنسان ككائن يظل متميزا بتحكمه في الغريزة الطبيعية وسموه نحو قيمة الفضيلة. ورغم هذه الغاية النبيلة التي سعت إليها هذه التصورات، فإنها ظلت سجينة ثقافة تميز بها المجتمع اليوناني العبودي، و تقوم أساسا على إقصاء الغير المتمثل في الغريب المختلف عن الأنا عرقيا و ثقافيا، ومن ثم فتفكير اليونان في الصداقة كان بمثابة تعبير عن العلاقة مع الغير القريب، و تقصي الغير الغريب الذي يقع خارج حدود المجتمع اليوناني الصغير(الأجانب أو المتوحشون)، أو حتى داخل هذا المجتمع (العبيد). ومع الولادة الجديدة للفلسفة الغربية خلال عصر النهضة ، ستبرز تصورات حول مفهوم الصداقة تتجاوز المعنى الضيق الذي حصره فيها فلاسفة اليونان. فبالنسبة ل"كانط"، تمثل الصداقة قيمة أخلاقية تنبني على الحب و الإحترام المتبادل وتظل غاية سامية ومثالية ينبغي أن يسعى إليها الإنسان وفقا لمبدأ الواجب المطلق الذي يتسامى بالإنسان عن الإكراهات المادية المباشرة. و معنى ذلك أن الصداقة ينبغي ألا تتأسس على المنفعة المباشرة، بل يجب أن تكون إطارا لتحقيق كرامة الإنسان التي تتمثل في الإحترام المزدوج للذات وللغير، في نفس الوقت ،وذلك طبقا لما يقتضيه المبدأ الأخلاقي الذي يتأسس عليه السلوك الإنساني عند "كانط"، أي الواجب في ذاته منزها عن أية غاية نفعية. أما "أوغست كونت"(1798/1857)، فالصداقة ترتبط عنده بمفهوم الغيرية (Altruisme) الذي يمثل لديه واجبا على كل شخص، وهو ما يقتضي من الفرد أن يتوجه بسلوكه نحو خدمة الغير، أو أن يعيش من أجل الآخرين (الإيثار).و مبرر ذلك ، بالنسبة ل"كونت" هو أن الفرد يدين للإنسانية بوجوده، وبما يحققه من تقدم و ازدهار، الأمر الذي يستوجب منه رد الدين من خلال الإنفتاح على قضايا الآخرين، أو نكران الذات و التضحية من أجل الغير. ومن ثم فنزعة الغيرية سيكون من شأنها أن تساهم في نشر قيم التضامن والأمن و الإستقرار في العالم. غير أن هذه المواقف المنضوية تحت لواء الفلسفة الحديثة ، والتي طغت عليها نزعة إنسانية مثالية ، ستصطدم بما ميز التاريخ الأوروبي المعاصر من حركات استعمارية وحروب متنوعة جعلت مسألة الغير تظل إشكالية تفرض نفسها على الفكر الأوروبي كما سيتجلى ذلك في الفكر المعاصر الذي انشغل بمسألة الغير ممثلا في الغريب. 2- الغرابة: يمثل مفهوم الغرابة الوجه السلبي للعلاقة مع الغير، إذ ينطوي على اعتبار الغير الغريب نقيضا للذات الفردية والجماعية، مما يستلزم مواجهته بمختلف أساليب النبذ والإقصاء. وهي حقيقة تؤكدها الشواهد التاريخية حول نوعية العلاقة بين الأفراد و الثقافات التي تختلف من حيث طبيعة القيم و المعتقدات. و يمكن الإستدلال على رسوخ النزعة الإقصائية تجاه الغريب بما ميز المجتمعات القديمة من علاقات صراعية قائمة على أساس الدفاع عن الهوية الذاتية مقابل نفي ما يخالفها(علاقة اليونان بالأجانب - الحروب الصليبية - الإستعمار الحديث). و لذلك نلاحظ غياب التفكير في الغير الغريب سابقا، مع استثناءات قليلة ، وحضورا بارزا للتفكير في الصداقة كعلاقة مع الغير القريب(فلاسفة اليونان مثلا)... أما الفكر المعاصر (القرن 20)، وبفعل التحولات الإجتماعية والفكرية التي ميزت العصر الراهن، فينطوي على عدة مواقف فلسفية وعلمية ترفض هيمنة النزعة الإقصائية في التعامل مع الغريب سواء تمثل في الأفراد أو في الثقافات الأجنبية، وتحاول تأسيس نظرة أخلاقية تتجاوز ما كان يميز العلاقة مع الغير البعيد أو الغريب من إقصاء و تدمير... في هذا السياق يندرج تصور" جوليا كريستيفا "(1941/...) القائم على نقد التصور السائد حول الغريب بوصفه المختلف عن الجماعة، والذي يهدد بالتالي وحدتها وهويتها. فالإعتقاد السائد بأن كل جماعة بشرية تتأسس على هوية خالصة هو اعتقاد وهمي في نظر "كريستيفا" ، لأن كل جماعة تشتمل على غريبها، و من ثم فإقصاء الغريب بدعوى الحفاظ على وحدة الجماعة هو موقف يقوم على المفارقة و التناقض. فالوحدة المزعومة للجماعة ليست سوى مظهرا يخفي التناقضات الداخلية التي تنكشف لنا عندما ندقق النظر في الإختلافات و التمزقات التي تجعل كل جماعة تحتوي على ما هو سوي ومنحرف،أو على ما يلائم قيمها وما يناقضه على السواء. وعن ذلك تقول "كريستيفا " : "ليس الغريب هو ذلك الدخيل المسؤول عن شرور المدينة كلها، ولا ذلك العدو الذي يتعين القضاء عليه لإعادة السلم إلى الجماعة. إن الغريب يسكننا على نحو غريب. إنه القوة الخفية لهويتنا ..." كما نجد موقفا مشابها عند الأنتروبولوجي الفرنسي المعاصر" كلود ليفي ستراوس" الذي عرف بانتقاده الشديد لنزعة الهيمنة والإقصاء التي تميز الثقافة الغربية تجاه الثقافات الأجنبية. فهو يرى أن كل ثقافة بشرية لها مكانتها وإسهاماتها في الحضارة البشرية عموما. ويعتبر،بالنتيجة، أن التقدم الحاصل الآن في الغرب ليس إنجازا ذاتيا مستقلا عن المجهودات التي بذلتها ثقافات سابقة مهما بدت لنا بدائية. وهكذا فالعلاقة بين الثقافات ، كتعبير عن العلاقة بين الأنا و الغير، يجب أن تقوم على الحوار و الإعتراف المتبادل بالإختلاف والتمايز وليس على الإحتواء والهيمنة. لذلك يقول "ليفي ستراوس" : " إن الإسهام الحقيقي للثقافات لا يكمن في قائمة اختراعاتها، بل في الفارق المميز الذي تكشف عنه فيما بينها. إن الشعور بالعرفان والتواضع الذي يستطيع كل عضو من أعضاء ثقافة معينة ، بل يجب عليه ، أن يستشعره نحو جميع الثقافات الأخرى، لا يمكن أن يتأسس إلا على الإقتناع التالي : أن الثقافات الأخرى مختلفة عن ثقافته اختلافا تتنوع أشكاله أشد ما يكون التنوع ، وذلك حتى وإن كان لا يدرك طبيعة هذا الإختلاف.." هكذا يتبين أن العلاقة الأخلاقية مع الغير قد مثلت إشكالية واكبت تطور الفكر الفلسفي منذ لحظة النشأة التي تمثلها الفلسفة اليونانية، حيث نجد هيمنة لفكرة الغير القريب ، وهو ما انعكس في توجه التفكير الفلسفي اليوناني نحو التنظير لمفهوم الصداقة، بينما تقلصت أو انعدمت فكرة الغير الغريب في ظل ثقافة يونانية لا تخلو من خلفيات عبودية أو عنصرية.. ومرورا بالفلسفة الحديثة ذات النزعة الإنسانية ، والتي أضفت على مفهوم الصداقة طابعا شموليا يتجاوز حدود المجتمع الواحد لينخرط في الحياة الإنسانية، قبل أن تتبلور مشكلة الغير الغريب في سياق الفكر المعاصر الذي اتسم بالتشكيك في البداهة الراسخة نحو الغريب كموضوع للإقصاء و التدمير، وبالدعوة إلى تبني أخلاقيات الحوار و التسامح. مفهوم الغير
الاثنين، 30 سبتمبر 2013

مفهـــوم الشخــص


مفهـــوم الشخــص


حول المفهوم:

1 - يرتد لفظ الشخص في اللغة العربية إلى فعل "شخص" الذي يحيل على معاني الظهور والبروز والعظمة كما يشير إلى ذلك معجم "لسان العرب" : " الشخص سواد الإنسان وغيره تراه من بعيد..والشخص كل جسم له ارتفاع وظهور، والمراد إثبات الذات "...والملاحظ هو أن هذا التحديد لا يقيم تمييزا دقيقا بين الإنسان وباقي الكائنات ما دام يجعل من الشخص كل ما أمكن رؤيته من بعيد أو كل جسم له ارتفاع يسمح له بالبروز.

في الفرنسية ترجع كلمةPersonne إلى اللفظة اللاتينية Persona التي تعني القناع الذي يضعه الممثل على وجهه لكي يتقمص الدور المسند إليه في المسرحية..ومن ثم يغلب على الشخص معنى الظاهري والرمزي والمتخيل، ويتقابل بذلك مع الباطني والحقيقي والواقعي.

2 - في المجال الفلسفي يتحدد مفهوم الشخص كذات عاقلة أو واعية وحرة ومسؤولة، أي يرتبط معناه بشكل أساسي بالإنسان بوصفه متميزا عن باقي الموجودات بما يختص به من وعي وإرادة ومسؤولية. وقد توجه الإهتمام منذ بدايات التفلسف عند اليونانيين إلى التفكير في ماهية الإنسان من خلال تحديد الخصائص التي أصبح الإنسان بفضلها متميزا عن باقي الكائنات الحية الأخرى، الأمر الذي سيجعل مفهوم الشخص يحمل طابعا ميتافيزيقيا لكونه يشير إلى المحددات الفوق طبيعية التي تميز الإنسان مستبعدا في نفس الوقت العناصر الطبيعية التي تخص الكائنات الأخرى....

وفي هذا السياق يبرز التصور الأفلاطوني القائم على ثنائية الجسد والنفس، حيث تمثل النفس بسبب طبيعتها اللامادية الثابتة والخالدة جوهرا للذات مقابل الجسد المادي الذي يعتريه التغير والزوال..كما أن "أرسطو" قد قدم تصورا لحقيقة الإنسان معتمدا معيار التمييز بين ما يشترك فيه الإنسان مع الحيوان (تغذية – تنفس – تناسل...)، وبين ما يختص به الإنسان ويصلح بالنتيجة أساسا لتعريفه (العقل أو النطق) منتهيا إلى صيغته المشهورة بأن الإنسان "حيوان ناطق".

غير أن التصور اليوناني حول الإنسان لم يبلغ مستوى التفكير في كرامة و قيمة الإنسان في ذاته و بغض النظر عن مكانته الاجتماعية و السياسية. ومرد ذلك إلى الموقف الإقصائي للثقافة اليونانية تجاه الأجانب و العبيد كفئة لا تتمتع بحقوق مدنية، مقارنة مع المواطن اليوناني. ومن ثم لم يكن غريبا أن نصادف عند فلاسفة اليونان مواقف لا تخلو من نزعة النبذ والإحتقار تجاه الأجنبي والعبد والمرأة.

أما في العصور الحديثة ،والتي تميزت بصحوة فلسفية مثلتها فلسفة الأنوار، فسنجد أن مفهوم الإنسان باعتباره شخصا يتوفر على وعي و إرادة و حرية و مسؤولية في ذاته قد بدأ في التبلور بداية مع الفلسفة الديكارتية قبل أن تكتمل هذه النظرة مع فلسفة "كانط" في القرن الثامن عشر.... ففي سياق التصور الديكارتي القائم على الشك المنهجي و معيار البداهة و الوضوح العقليين، ستظهر فكرة الإنسان العاقل الذي يستطيع بلوغ معرفة يقينية استنادا إلى عقله فقط ودون الخضوع لوصاية خارجية. ففكرة "الكوجيطو" تنطوي على اعتبار الإنسان كائنا جوهره التفكير و الوعي، الشيء الذي يضفي عليه مكانة تتمثل في حريته أو استقلاله بذاته و تشكيله لماهية متميزة عن الكائنات الأخرى...و مع "كانط" ستكتمل النظرة الحديثة إلى الإنسان من خلال إضفاء طابع أخلاقي على طبيعة الشخص و تصرفاته. فالإنسان في التصور الكانطي يتحدد، ليس فقط بالعقل النظري الذي يجعل منه كائنا واعيا يستطيع إنتاج معارف يقينية كما رأى "ديكارت"، بل يتحدد أساسا بالعقل العملي الأخلاقي الذي يملي عليه المبادئ الأخلاقية التي يجب عليه أن يلتزم بها، وأهم هذه المبادئ القاعدة الأخلاقية التي تدفع الإنسان إلى السعي وراء الخير المطلق عندما يعتبر نفسه و الآخرين غايات لا مجرد وسائل، وهذا ما تعبر عنه قولة "كانط": " تصرف دائما بشكل تعامل بمقتضاه الإنسانية، في شخص غيرك مثلما في شخصك، باعتبارها غاية لا وسيلة ".

قضايا و أطروحات:

المحور الأول: الشخص و الهوية

الإشكالية:

في الحياة اليومية العادية، يشعر الإنسان - بشكل حدسي مباشر- بأن له هوية واحدة تظل ثابتة و مطابقة لذاتها رغم التحولات التي تطرأ على الفرد من الناحية الجسمية أو النفسية، و عادة ما يعبر كل منا عن هذه الهوية بضمير " أنا".. و من ثم فإن التساؤل عن" الهوية الشخصية" يبدو غير ذي فائدة بالنسبة للإنسان العادي الذي تمثل لديه هذه الهوية حقيقة بديهية لا تحتاج إلى التأمل و التفكير. غير أن هذه الوحدة المزعومة تطرح أسئلة متعددة شكلت موضوع اهتمام الخطاب الفلسفي بوصفه تفكيرا قائما على وضع "البداهات" موضعا للفحص ،و مجالا فكريا تميز بجعل ماهية الإنسان موضوعا للبحث و التأمل... فما هو الأساس الذي تنبني عليه " الهوية الشخصية"؟ هل تتمثل هذه الهوية في وعي مجرد عن الإحساس / الجسد(ديكارت)؟ أم هي عبارة عن سيرورة أو عملية مرتبطة بالشعور و الذاكرة (لوك)؟ و ما طبيعة العلاقة بين الهوية و الإرادة (شوبنهاور)؟

التصورات:

تشكل الفلسفة الحديثة محطة أساسية في تاريخ الفكر البشري نظرا لما تميزت به من إعلاء لمكانة الإنسان الفرد من خلال تأكيدها على مركزية الأنا أو الذات وفعاليتها المتمثلة في القدرة على التفكير والممارسة الأخلاقية بشكل حر وفي استقلال مطلق عن كل وصاية..ومن أبرز هذه التصورات :

روني ديكارت:(1596/1650)

تعد فلسفة "ديكارت " من أهم الفلسفات التي أسست حقيقة الإنسان على "الوعي" أو العقل و جعلت منه العنصر الأساسي والجوهري في تحديد أو تفسير الماهية الإنسانية... ففي التصور الديكارتي المرتكز على حقيقة الكوجيطو، كحقيقة لا يعتريها الشك ،تبرز فكرة الوعي بالذات و بطبيعتها المفكرة التي تجعلها متميزة عن بقية الموجودات. ف"الأنا أفكر" أو الذات المفكرة هي ما يشكل الهوية الشخصية للإنسان نظرا لكونها الحقيقة اليقينية التي تتمخض عنها تجربة الشك. و بعبارة أخرى، إن الإنسان في فلسفة "ديكارت" يملك هوية جوهرها التفكير أو الوعي، وهو يدرك هذه الهوية كحقيقة واضحة و بديهية للعقل من خلال عملية الشك أو التفكير.

هكذا تقدم الفلسفة الديكارتية الهوية الشخصية للإنسان كجوهر قائم بذاته أو ككيان مكتمل البناء يتم الوعي به من خلال استبطان الإنسان لذاته ليكشف عن طبيعتها المفكرة.

ملحوظة: يقصد بفكرة "الكوجيطو"Le Cogito)) حقيقة الذات كما تصورها" ديكارت" و التي تتمثل في خاصية التفكير أو الوعي ، وعادة ما يعبر عن الكوجيطو الديكارتي بما يلي: " من الواجب أن أشك في كل شيء و لكن الشيء الذي لا يمكنني أن أشك فيه هو أنني أشك، وبما أنني أشك فأنا أفكر ، وبما أنني أفكر فأنا موجود".

جون لوك:(1632/1704)

عرف عن الفلاسفة التجريبيين رفضهم القاطع للموقف العقلاني بصدد مصدر المعرفة ..فبينما أكد العقلانيون على القيمة المطلقة للعقل، اعتبره التجريبيون مجرد صفحة بيضاء تنقش عليها التجربة الحسية معارفنا و أفكارنا. وبناءا على هذا التصور للمعرفة بوصفها نتاجا لتجربة حسية يعتبر "جون لوك" أن المعرفة التي يحصلها الإنسان حول نفسه هي نتاج لحالاته الشعورية، حيث يرى أن ما يجعل الشخص يدرك ذاته عبر أزمنة و أمكنة مختلفة هو الوعي أو المعرفة التي تتولد عن مختلف الإحساســات ( سمع/ لمس/ شم/إبصار...). وبجانب الشعور أو الإحساس كأساس للهوية الشخصية، تقوم الذاكرة بربط الخبرات الشعورية الماضية بالخبرة الحالية و تعطي بالتالي للوعي بالذات استمرارية في الزمان.

وهكذا تكون المعرفة ،عموما، و الوعي بالذات أو الهوية بشكل خاص، رهينا بما تمدنا به الإحساسات المرتبطة بالمؤثرات الخارجية، الشيء الذي يجعل الهوية الشخصية عبارة عن سيرورة مصاحبة للشعور و الذاكرة ،لا كيانا مجردا أو ميتافيزيقيا لا يحتاج إلى الإرتباط بالعالم الخارجي كما تصوره "ديكارت".

ومن الملاحظ أن المواقف السابقة رغم اختلافها حول مصدر المعرفة أو الوعي، تبقى مشدودة إلى التصور الفلسفي التقليدي الذي يقر بالوعي كحقيقة جوهرية للإنسان و خاصية تميزه عن بقية الكائنات. و مع بروز الفلسفة المعاصرة سيتعرض هذا المنظور للنقد و التشكيك من خلا ل رفض الطابع المطلق الذي تم إضفاؤه على العقل مقابل استبعاد مكونات أخرى تنتمي إلى الجسد و الغريزة أو إلى اللا وعي.

أرثور شوبنهاور:(1788/1860)

لقد درج الفلاسفة التقليديون على النظر إلى الإنسان ككائن عاقل يمثل الوعي خاصيته الجوهرية و المصدر الوحيد لسلوكه و تفكيره، أما ما هو لا عقلي (غريزة/ جسد...) فقد كان يستبعد في إطار هذه النظرة العقلانية، الأمر الذي سيضفي على ماهية الإنسان طابعا ميتافيزيقيا متعاليا عن الطبيعة.

وبخلاف ذلك اتجهت فلسفات معاصرة إلى الكشف عن عناصر أخرى لها أثرها في السلوك الإنساني مثل الجنس و الإرادة و اللاشعور. وفي هذا السياق تندرج فلسفة "شوبنهاور" التي تقوم على نزعة تشاؤمية قوامها الدعوة إلى نبذ الحياة. فهو يرى أن المحرك الأساسي لسلوك الإنسان – تفكيرا و ممارسة – هو إرادة الحياة التي تدفع الإنسان بشكل مستمر إلى السعي وراء أهداف و غايات مختلفة يرى في تحقيقها سعادته التي سرعان ما ينكشف له طابعها الوهمي. فالتجدد المستمر للرغبة يجعل السعادة مستحيلة، و الأهداف التي يتم السعي وراءها لا يمكنها تحقيق الإشباع الكامل لنشاط الإرادة اللانهائية. و بذلك تصبح الحياة مأساة و الإرادة منبعا للألم و الشقاء... أما العقل أو الوعي فليس جوهر الإنسان، كما اعتقد "ديكارت"، فهو لا يعدو أن يكون مجرد لعبة في يد هذه القوة الجبارة التي تمثلها إرادة الحياة التي تصبح بالنتيجة جوهر الوجود الإنساني و المصدر الأساسي للوعي بالذات.

تركيب للمحور :

يتبين إذن أن الإنسان،بوصفه شخصا، يمتلك هوية ثابتة أساسها الوعي أوالشعور والذاكرة أو إرادة الحياة .. والإختلاف الملحوظ بين الفلسفات حول تحديد طبيعة الهوية الشخصية يرجع إلى تباين المنظورات المعتمدة ( نزعة عقلانية/ تجريبية/ تشاؤمية...).

المحور الثاني : الشخص بوصفه قيمة

يتأكد إذن أن الإنسان بوصفه شخصا هو ذات لها هويتها الخاصة التي تتمثل في مفهوم "الأنا" كجوهر ثابت يتحقق من خلاله وعي الإنسان بوجوده أو بذاته، و ذلك بغض النظر عن اختلاف الفلاسفة حول طبيعة و أساس هذه الهوية تبعا للمنظور المعتمد في النظر إلى ماهية الإنسان (الوعي عند العقلانيين/ الشعور و الذاكرة عند التجريبيين/ إرادة الحياة عند " شوبنهاور")...غير أن معنى الشخص يمتد أيضا إلى البعد الأخلاقي بوصفه أحد المميزات التي يختص بها الإنسان و يتسامى بها عن الموجودات الطبيعية. و اعتبار الإنسان شخصا أخلاقيا يعني توفره على وعي أخلاقي يجعله قادرا على التمييز بين الخير و الشر،و على الإلتزام في سلوكه العملي بالمبادئ الأخلاقية مما يجعله مسؤولا عما يصدر عنه من أفعال.. فعلى ماذا يتأسس البعد الأخلاقي للشخص؟ و هل ترجع القيمة الأخلاقية إلى ما يميز ذاته في استقلال عن الغير أم إلى علاقاته مع الآخرين داخل المجموعة البشرية؟

إيمانويل كانط :(1724/1804)

لقد اعتبر "كانط" أن قيمة الإنسان الحقيقية تكمن في توفره على عقل عملي أخلاقي يكون منبعا لتصرفاته، وهو عقل حامل لقواعد أخلاقية تتخذ صفة الواجب أو الأمر المطلق. و ينتج عن الإلتزام بهذه القواعد إضفاء كرامة داخلية مطلقة على الشخص الذي يصبح بفضل ذلك غاية في ذاته ،و ليس مجرد وسيلة لتحقيق غاياته الخاصة أو غايات الآخرين.

هكذا فقيمة الإنسان في تصور "كانط "لا تنبني فقط على ما يمتلكه من قدرة على الفهم( الوعي بالمعنى الديكارتي)، بل تتأسس قيمته على تكوينه الأخلاقي الذي يجعل كل فرد موضوع احترام و تقدير سواء من طرف ذاته أو من قبل الآخرين. فعندما يخضع الإنسان للأمر المطلق يتجاوز كينونته الطبيعية و يصبح شخصا تتجاوز قيمته كل سعر لكونه يمثل "غاية" و ليس مجرد وسيلة كبقية الموجودات أو الأشياء.

وما يلاحظ حول التصور الكانطي هو طابعه المثالي الذي يقدم صورة مجردة أو ميتافيزيقية عن الإنسان، وذلك لأن غاية فلسفة "كانط" هي الدفع بالإنسان إلى تجاوز الغايات النفعية العملية التي تجعل منه مجرد وسيلة و تضفي عليه قيمة خارجية نفعية نحو الغايات الإنسانية التي يجسدها الواجب المطلق، والتي تضفي على الإنسان قيمة داخلية مطلقة تجعل منه غاية في ذاته.

جورج غوسدورفGusdorf :(1912/2000)

قدمت الفلسفات الحديثة( ديكارت/ كانط مثلا) صورة مجردة عن الإنسان قوامها النظر إليه كذات تتوفر على ماهية مطلقة و قبلية لا تتأثر بالاختلافات الفردية أو الجماعية . و هي صورة يتعذر على الإنسان العادي أن يجد نفسه فيها بسبب طابعها المثالي الذي لا يتلاءم مع الوجود الواقعي للإنسان كفرد يتأثر بالآخرين و بالمجتمع، وتفرض عليه حياته المعيشية طابعا نسبيا.

ولذلك تعرض هذا المنظور الفلسفي للنقد مع بروز فلسفات معاصرة( القرن 19 و 20) اتجهت نحو التركيز على البعد الواقعي لوجود الإنسان محاولة فهم حقيقته في إطار التجربة المعيشية أو الواقعية . من هنا سنجد في الفلسفة المعاصرة اهتماما بالكشف عن الأبعاد أو المقومات التي تم استبعادها في التصورات السابقة ( الغريزة و الرغبة و الجسد/ العلاقة مع الغير و المجتمع...). و في هذا السياق يندرج رأي الفيلسوف الفرنسي "غوسدورف" حول قيمة الشخص. فهو يؤكد على أن فكرة الإنسان المستقل بذاته، كما تجسدت في الفلسفة الحديثة من خلال الذات المفكرة(ديكارت) أو الشخص الأخلاقي(كانط)، هي فكرة مثالية لا تستقيم مع طبيعة الوجود الواقعي للإنسان.

فالإنسان لا يعيش في عزلة مطلقة أو في حالة استكفاء يستغني فيها عن الآخرين، بل يرتبط وجوده بعلاقات التضامن و المشاركة و الإنفتاح على الغير. وبمعنى آخر، يرى"غوسدورف" أن قيمة الإنسان الأخلاقية لا تنبع من كونه فردا يعي ذاته في استقلالها المطلق عن الآخرين، بل تتحدد هذه القيمة في كونه شخصا يكتمل من خلال علاقته بالآخرين على أساس المشاركة و تقبل الغير. فالكمال الأخلاقي للشخص لا يتحقق إلا في علاقات التعايش داخل المجموعة البشرية، و مدى استعداد الذات للإنفتاح على الغير و الدخول معه في أشكال مختلفة من التضامن الذي يبرز الماهية الأخلاقية للإنسان.

تركيب للمحور :

هكذا يتبين أن البعد الأخلاقي يمثل أحد المقومات الأساسية لمفهوم الشخص، بحيث يستحيل التفكير في هذا المفهوم دون استحضار هذا البعد. ورغم أن التفكير في أساس أو منبع هذا البعد الأخلاقي يكشف عن تنوع الإجابات أو المقاربات، فإنها تكشف ،في النهاية،عن تعدد مستويات النظرة إلى حقيقة الإنسان. و من ثم فالإختلاف بين المنظور الحديث الذي يؤسس الوعي الأخلاقي على مستوى ذاتي تمثله فكرة الشخص الأخلاقية عند "كانط" ، وبين المنظور المعاصر الذي يتجه نحو التركيز على البعد العلائقي للإنسان كأساس لتكوينه الأخلاقي عند "غوسدورف"، هو اختلاف يجد تفسيره في طبيعة المنطلقات الفكرية لكل منظور. المحور الثالث: الشخص بين الضرورة والحرية

لقدتم النظر إلى الإنسان في إطار الفلسفة التقليدية(من أفلاطون إلى ديكارت و كانط) نظرة ميتافيزيقية أساسها اعتبار الذات الإنسانية متميزة و متعالية عن بقية الموجودات بفضل ما تختص به من وعي و إرادة و حرية و مسؤولية. فالفيلسوف التقليدي لم يكن يرى في ماهية الإنسان سوى ما يجعلها تستبعد كل عنصر طبيعي مقابل الوعي و الإرادة(نجد ذلك مثلا في تصور "أفلاطون" حول خلود النفس، وعند "ديكارت" في فكرة الكوجيطو، و في فكرة العقل الأخلاقي عند "كانط").

غير أن هذا التصور سيبدأ في التراجع أمام تبلور نظرة علمية اتجهت نحو إنزال الإنسان من سمائه الوهمية لكي تربطه بجذوره الطبيعية أولا(علوم الطبيعة)، وبالشروط النفسية والإجتماعية لاحقا(العلوم الإنسانية).. فلم يكن من اللازم انتظار ولادة العلوم الإنسانية لكي تنكشف فكرة الحتمية أو الضرورة التي تتحكم في وجود الإنسان في الخطاب العلمي، بل نجد أن العلوم الطبيعية قد افتتحت هذا الدرب من خلال ما خلقته نظرياتها الفلكية(كروية ودوران الأرض مع "كوبيرنيك") و الفيزيائية (الجاذبية مع "نيوتن") و البيولوجية (نظرية تطور الأنواع مع "داروين") من انقلاب في تصور الإنسان لذاته، حيث أصبح ينظر إليه كجزء من الكون يخضع، مثل بقية الأشياء، لتأثير القوى الطبيعية بعد أن كان ينظر إليه ،في التصور السابق، كسيد لهذا الكون.

ومع بروز العلوم الإنسانية(القرن 20) ستترسخ هذه النظرة الحتمية إلى الإنسان الذي سيصبح بمثابة بنية نفسية و اجتماعية تحددها عوامل خارجية ومستقلة عن إرادة الفرد و رغبته..فمن زاوية نظر التحليل النفسي(فرويد) يكون البناء النفسي للفرد نتيجة حتمية لخبراته الطفولية التي تكون مصدرا لنشأة عقد نفسية نتيجة كبت رغبات الطفل خلال مسلسل النمو النفسي و الجنسي( المرحلة الفمية....)، وهو ما يعني أن معظم السلوكات التي تصدر عن الفرد تحركها دوافع لا شعورية ذات طبيعة جنسية.. وبالإضافة إلى هذه الحتمية السيكولوجية، نجد علماء الاجتماع و الأنتروبولوجيا يؤكدون على دور الشروط السوسيو ثقافية في تحديد شخصية الفرد من خلال التنشئة الاجتماعية التي يتم بواسطتها ترسيخ قيم ومبادئ المجتمع في شخصيات أفراده، بحيث ينتج عن ذلك وجود نمطين متداخلين من الشخصية عند كل الأفراد، أحدهما يعكس القيم العامة و المشتركة لثقافة المجتمع (الشخصية الأساسية)، و الآخر يعكس الخصائص التي يستمدها الفرد من انتمائه الجنسي والمهني والإجتماعي (الشخصية الوظيفية)؛ كما أن الأحكام الفكرية والأخلاقية التي يتبناها الأفراد في حياتهم اليومية هي نتاج لأثر"الضمير الجمعي" الذي يمثل سلطة أخلاقية و اجتماعية يتم ترسيخها لدى الأفراد عن طريق التربية و التعليم. و بذلك تصبح شخصية الإنسان مرآة تنعكس فيها طبيعة الثقافة التي تميز مجتمعه، الشيء الذي يؤكد وجود حتمية اجتماعية وثقافية تفقد الإنسان كل سلطة أو نفوذ على ذاته ... و بسبب تمسك النظرة العلمية بهذا التفسير للسلوك الإنساني ، والذي يقوم على نفي حرية و فعالية الفرد أمام البنيات النفسية والإجتماعية، اعتبر بعض الدارسين أن هذه النزعة العلمية هي نزعة لا إنسانية لكونها تؤدي إلى اختفاء أو موت الذات أمام الحضور القوي للعوامل النفسية والبنيات الإجتماعية الخارجية.

وأمام هذه النزعة الحتمية التي ميزت الخطاب العلمي حول الإنسان، برزت اتجاهات فلسفية معاصرة تحاول إعادة الإعتبار للذات الحرة والفاعلة التي تم إقصاؤها في سياق المقاربة العلمية.. فالفلسفة الوجودية ،مثلا ،دافعت بشكل كبير عن حرية الفرد رافضة خضوعه لأية سلطة خارجية تتمثل في المؤسسات (الأسرة/ المجتمع / الدولة/ الحزب...). و المبدأ الأساسي الذي ارتكزت عليه الفلسفة الوجودية هو اعتبار أن "وجود الإنسان يسبق ماهيته"، وذلك بخلاف الأشياء أو الحيوانات التي تتحدد ماهيتها بشكل قبلي سابق على وجودها. فالإنسان بالنسبة ل"سارتر" هو الكائن الوحيد الذي يوجد و هو غير حامل لأية صفات أو ماهية قبلية ،بل بالعكس، فهو يكون في البدء عبارة عن لاشيء، ثم يشرع في تأسيس ذاته وفق ما تقتضيه مشيئته أو إرادته. فعلى عكس الطاولة أو الحيوان اللذين يتخذ وجودهما شكلا خطيا انطلاقا من ماهيتهما القبلية، فإن الإنسان يفتقر إلى مثل هذه الماهية التي قد تسمح بتعريفه أو تحديد شخصيته على نحو قبلي مسبق.

ونتيجة ذلك أن الإنسان يعتبر "مشروعا" لا يعرف الإكتمال لأنه يتحدد بما يختار القيام به، مما يجعل تعريفه بشكل نهائي غير ممكن. فما يميز الإنسان كشخص هو قدرته على تحديد ذاته و مصيره بنفسه كما يتضح من قولة "سارتر": "البطل هو الذي يصنع من نفسه بطلا، والجبان هو الذي يجعل من نفسه جبانا".

ورغم أن الإنسان يتعرض لإكراهات موضوعية تتولد من سلطة البنيات النفسية و الإجتماعية، كما تثبث ذلك العلوم الإنسانية ، فإن ذلك لا يعني - عند الوجوديين - فقدانا للحرية الذاتية والقدرة على الإختيار. فليست الشروط الموضوعية والإكراهات الخارجية سوى تحديات أمام قدرة الإنسان على تجاوزها أو التعالي عليها من خلال طبيعة اختياراته. فالصخرة مثلا تمثل عائقا موضوعيا قد يمنعني من مواصلة السير، غير أن ما أختار القيام به هو الذي يمنح المعنى لموقف الإنسان و يكشف عن حريته، ذلك أنني قد أعمد إلى إزاحة الصخرة لمواصلة الطريق، أو قد أصعد فوقها لمشاهدة منظر معين.. فالإختيار الحر هو الذي يحدد موقف الإنسان في علاقته بالشروط الخارجية التي قد تعوق حريته.

وعموما فقد تميزت الفلسفة الوجودية بإضفاء طابع فردي و متغير على ماهية الإنسان، وذلك بناءا على تأكيدها بأن جوهر الإنسان هو قدرته على الإختيار الحر، الشيء الذي يجعل ماهية الإنسان غير قابلة لتحديد قبلي أو نهائي نظرا لانفتاحها المستمر على إمكانيات متعددة.

وفي سياق الفلسفة " الشخصانية" التي تؤكد على القيمة المطلقة للشخص بوصفه الكائن الأسمى في الكون، تتحدد مكانة الإنسان في سياق علاقته بالغير و بالإنسانية ككل. فالشخص لا يحقق حريته إلا في إطار ما يسميه أقطاب هذه الفلسفة " بالتشخصن" الذي يعني خروج الذات من فرديتها وعزلتها لتنفتح على العالم طبقا لنداء الإنسانية الذي يقتضي من الشخص الدخول مع الغير في علاقة قوامها التواصل و المشاركة. فالحرية ،في منظور الشخصانيين، تبقى حرية مشروطة بالإنفتاح على الغير أو حرية منظمة أساسها الإلتزام باحترام الغير والقيم الإنسانية. و هذا ما يعبر عنه "مونييه" كممثل للشخصانية في الفكر الفرنسي، حيث يؤكد على ضرورة ربط حرية الشخص بالشروط الواقعية التي تجعل الإنسان لا يحقق حريته إلا في إطار الخروج من الذات الفردية نحو الإلتزام بمصير الآخرين. ويندرج موقف "م-ع- الحبابي" في هذا المنظور، حيث يؤكد على أن مفهوم الإنسان لا يتحقق إلا عبر التحرر من وضعية الكائن إلى الشخص(التشخصن) إذ تكون أفعاله صادرة عن وعي قصدي يستهدف الإستجابة لنداء الإنسانية والإنخراط في خدمة قضاياها ومصيرها. فبهذا الفعل الإرادي القصدي الذي يتجه نحو خدمة الإنسانية يحقق الشخص حريته ويتجاوز وجوده الفردي ككائن.

وهكذا يتبين أن الشخص يتحدد - من منظور هذه الفلسفات المعاصرة - ككائن مريد و حر، سواء كانت حريته تتجه نحو الإستجابة للنوازع الفردية و الإختيارات الذاتية كما يرى الوجوديون ، أو كانت حرية مرهونة بالإنفتاح على الغير في إطار التضامن و المشاركة كما يرى الشخصانيون.

تركيب إجمالي:

يتبين أن مفهوم الشخص يحمل طابعا إشكاليا لكونه يثير العديد من القضايا التي تختلف بصددها التصورات أو الخطابات الفلسفية( الهوية/ البعد الأخلاقي/ الحرية...) .و هو مفهوم يشير إلى جملة من الخصائص التي أكدت عليها مختلف المقاربات مثل الوعي بالذات و المسؤولية الأخلاقية و حرية الإرادة..وهذا المعنى الذي درجت عليه التصورات السابقة أصبح،في الوقت الراهن، يكشف عن حدوده في ظل التحولات التي تشهدها الحياة البشرية. فانطلاقا من الجدال الراهن حول العديد من القضايا ذات الصلة بحقوق الإنسان والطبيعة (الإجهاض – الموت الرحيم – حقوق الطبيعة وكرامة الحيوان..) أخذ مفهوم الشخص يميل نحو التوسع بغاية استيعاب ما يتعدى دائرة الإنسانية (الدفاع عن حقوق بيئية أو حيوانية..)، أو ما كان يلحقه التهميش ضمن دائرة الإنسانية نفسها بسبب التأكيد على الوعي والأخلاق (إدخال الجنين والرضيع والمجنون والمعوق ضمن مفهوم الشخص..).
عربي باي